السيد هاشم البحراني

257

البرهان في تفسير القرآن

وكان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كلما يلدون ، ويربي موسى ويكرمه ، ولا يعلم أن هلاكه على يده ، فلما درج موسى ، كان يوما عند فرعون ، فعطس موسى ، فقال : الحمد لله رب العالمين . فأنكر فرعون ذلك عليه ، ولطمه ، وقال : ما هذا الذي تقول ؟ فوثب موسى على لحيته - وكان طويل اللحية - فهلبها - أي قلعها - فآلمه ألما شديدا ، فهم فرعون بقتله ، فقالت امرأته : هذا غلام حدث ، لا يدري ما يقول ، وقد آلمته بلطمتك إياه . فقال فرعون : بل يدري . فقالت له : ضع بين يديه تمرا وجمرا ، فإن ميز بينهما فهو الذي تقول . فوضع بين يديه تمرا وجمرا ، وقال : كل . فمد يده إلى التمر ، فجاء جبرئيل فصرفها إلى الجمر ، فأخذ الجمر في فيه ، فاحترق لسانه ، وصاح وبكى ، فقالت آسية لفرعون : ألم أقل لك إنه لا يعقل ؟ فعفا عنه » . قال الراوي : فقلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : فكم مكث موسى غائبا عن أمه حتى رده الله عليها ؟ قال : « ثلاثة أيام » . فقلت : كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه ؟ قال : « نعم ، أما تسمع الله تعالى يقول : أبْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي ) * « 1 » . فقلت : أيهما كان أكبر سنا ؟ قال : « هارون » . قلت : وكان الوحي ينزل عليهما جميعا ؟ قال : « الوحي ينزل على موسى ، وموسى يوحيه إلى هارون » . فقلت : أخبرني عن الأحكام ، والقضاء ، والأمر والنهي ، أكان ذلك إليهما ؟ قال : « كان موسى الذي يناجي ربه ، ويكتب العلم ، ويقضي بين بني إسرائيل ، وهارون يخلفه إذا غاب عن قومه للمناجاة » . قلت : فأيهما مات قبل صاحبه ؟ قال : « مات هارون قبل موسى ( عليه السلام ) ، وماتا جميعا في التيه » . قلت : فكان لموسى ( عليه السلام ) ولد ؟ قال : « لا ، كان الولد لهارون ، والذرية له » . قال : « فلم يزل موسى ( عليه السلام ) عند فرعون في أكرم كرامة ، حتى بلغ مبلغ الرجال ، وكان ينكر عليه ما يتكلم به موسى من التوحيد ، حتى هم به ، فخرج موسى من عنده ، ودخل المدينة ، فإذا رجلان يقتتلان ، أحدهما يقول بقول موسى ، والآخر يقول بقول فرعون ، فاستغاثه الذي من شيعته ، فجاء موسى ، فوكز صاحب فرعون ، فقضى عليه ، وتوارى في المدينة ، فلما كان من الغد ، جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى ، فاستغاث بموسى ، فلما نظر صاحبه إلى موسى ، قال له : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ؟ ! فخلى عن صاحبه ، وهرب . وكان خازن فرعون مؤمنا بموسى ، قد كتم إيمانه ستمائة سنة ، وهو الذي قال الله : وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَه أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّه ) * « 2 » ، وبلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل ، فطلبه ليقتله ، فبعث المؤمن إلى موسى ( عليه السلام ) : * ( إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها ) * ، كما حكى الله : * ( خائِفاً يَتَرَقَّبُ ) * - قال - يلتفت يمنة ويسرة ، ويقول :

--> ( 1 ) طه 20 : 94 . ( 2 ) غافر 40 : 28 .